الأربعاء، نوفمبر 08، 2006

يا حملاتك يا ميلودي !!


مع بداية إطلاق قناة ميلودي أفلام على القمر الصناعي المصري نايل سات وذلك بعد افتتاح قناتي روتانا سينما وزمان بعدد من الشهور ، أيضا مع التنافس السابق بين الشركتين في مجال الإنتاج الغنائي وقنوات الأغاني .. بل حتى على مستوى الكافيهات حسب ما ذكر أن شركة ميلودي تعتزم افتتاح كافيه يحمل اسمها في القاهرة على غرار كافيه روتانا في بيروت الذي تم افتتاحه هناك منذ ما يزيد على الشهر

ومع السبق الزمني الذي حققته روتانا بإطلاق قناتيها مبكرا .. والسبق المعنوي الذي استطاعت د. هالة سرحان أن تقدمه للقناة الوليدة من خلال الحملة الدعائية ( مش حتقدر تغمض عينك ) والتي استعانت فيها هالة سرحان بكافة علاقاتها وصداقاتها لنكتشف في النهاية أن جميع الممثلين تقريبا مش قادرين يغمضوا عينيهم – يا عيني ! –

هنا كان لابد لميلودي من أن تقدم شيئا مبتكرا تجذب به الناس إليها .. بمعنى آخر .. حملة إعلانية مبتكرة لتحسين وتثبيت صورتها الذهنية لدى المشاهدين ، وقد بدأت الحملة بثلاث إعلانات عبارة عن مذيع أخبار يعلن ظهور قناة جديدة اسمها ميلودي أفلام ثم يحذر الناس من خطورة مشاهدة القناة لوقت طويل !! هكذا منذ بداية الحملة تتهم القناة نفسها بأنها تسبب الكثير من الأمراض لمن يشاهدونها !! أما نوعية هذه الأمراض فهى الكوميديا بعينها .. ستجد أسماءها مثلا التقعقع المستديم ! وتضخم في حدقة العين ! ومش بعيد يطلع إعلان تاني يحذرنا من الهبل الانكشاري !! أما ثالث إعلان فهو ( فتور في العلاقة الزوجية ) .. وفي رأيي الشخصي إن البطل في الإعلان دا هو الحائط الذي تعمدت (الزوجة المفروض) أن تصطدم به بظهرها لإحداث التأثير المطلوب !! قبل أن يصدمها زوجها ب ( حطي صبغة يود !! )

ولم نكد ننتهي من قائمة الأمراض التي تسببها كثرة الفرجة على ميلودي أفلام حتى آمنا أن هذه الأمراض بالتأكيد أخف كثيرا من الحملة الإعلانية الثانية لنفس القناة ( ميلودي .. تتحدى الملل ) .. وهى في رأيي من أشد الحملات إملالا في تاريخ الشاشة الفضية ! بدءا من الولد منكوش الشعر الأصفر في أصفر الذي يقوم بتأدية دور البطل مرتديا شعار ميلودي .. انتهاء إلى ما تحمله الحملة من قيم وما تشجع عليه من سلوكيات !!

في البداية مثلا لا أعرف ماذا رأى صانع هذه الحملة في شخصية الولد الساخط دوما على الأشياء ، والمستعد لتغيير أى شئ لا يعجبه عن طريق العنف !! وإذا افترضنا جدلا أنها شخصية من ممكن أن تكون محببة للشباب بما يحملونه من أرواح ثائرة ورغبة في التغيير – والتغيير لا يكون أبدا باستخدام العنف ! – فكيف نفسر اختيار بطل الحملة نفسه بشعره المنكوش وجسده غير المتناسق و ( البوكس ) الهلامي الذي يصوبه ناحية الكاميرا مع نهاية كل إعلان !! مع تشكيلة متنوعة من علامات القرف والاشمئزاز على وجهه ! هل لم يدرس صانع الحملة تأثير الارتباط الشرطي بين الصورة الذهنية وبين من يمثلها على الشاشة ؟؟ أم أنه يريدنا كلما تذكرنا كلمة (ميلودي) أن نتذكر شكل هذا الكائن الأصفر !!

فإذا ابتعدنا عن بطل الحملة قليلا ونظرنا إلى الحملة نفسها وما تحمله من مضمون .. نجد إشارات غاية في السوقية .. وأخلاقيات مرفوضة تماما .. بالإضافة إلى ماهو أخطر من هذا كله ، والمقصود به عملية اللعب بالمفاهيم وتشويشها .. خصوصا مفهوم (الملل) ، ففي الحملة الإعلانية يتحول مدرس اللغة العربية الذي يعلم الشعر للأولاد إلى (كائن ممل) يستحق الضرب بلا رحمة ! مما يحمل بين معانيه أن اللغة العربية الفصحى في حد ذاتها هى (لغة مملة) !!
ونجد في إعلانٍ آخر رجل في نهاية العمر يحاول التمتع بما تبقى له من ساعات في الحياة عن طريق لعب الكروكيه ، ولكن البطل المغوار لحملة ميلودي يرفض أن ينتظر كل هذا الوقت والرجل العجوز يأرجح المضرب الذي رفعه بمعجزة ما من على الأرض .. فيوسعه ضربا أيضا بلا أى معنى واضح ومفهوم سوى أن كبار السن (مملين) بطبيعتهم .. ويستحقون التخلص منهم وإزاحتهم عن طريقنا !!

وتستمر الحملة على هذا المنوال مع استعراض بعض التيمات الأخرى ، كتيمة المذيعة المملة وهى تيمة مستهلكة منذ السبعينيات تقريبا – بعد ظهور التليفزيون في مصر ب 10 سنين !! –
وإن لم تكن طريقة علاجها هى الضرب كما يفعل بطل حملة ميلودي !! وتيمة الفتى الذي يظن أنه يملك موهبة الصوت وهو لا يملكها .. فيكون عقابه الضرب أيضا ! أما آخر إعلانات هذه الحملة فقد تمت الاستعانة فيه ببطلة الإعلان الأول في الحملة الأولى ( فتور في العلاقة الزوجية) لمساعدة بطل الحملة الثانية بعدما وقع في شر أعماله وطلعله واحد حجمه تلات مرات وابتدى يضربه !! وفي الإعلان الخاص (بفتور .. ) كان الحائط هو البطل كما أسلفنا .. أما معجزة الحملة الثانية أن نفس التأثير ظل يحدث لدى البنت .. وبدون حائط تصطدم به هذه المرة .. طبيعي !! وبما إن الراجل الضخم فيما يبدو ليس من مشاهدي ميلودي .. فلم يحدث لديه أى نوع من الفتور هذه المرة .. بل أفلت بطل الحملة ليتابع البنت بإمعان قبل أن يستغل البطل هذه الفرصة ويقوم بإسقاطه أرضا .. وبأمانة نفسي أعرف هو ضربه فين بالظبط عشان يقع بالشكل دا ؟!!

خطورة هذه الحملة هى ما تبثه فينا من قيم وسلوكيات مرفوضة ومستهجنة ، وما تحمله من معاني خفية وإيحاءات واضحة تترسب فينا شيئا فشيئا دون أن ندري وربما حتى دون علم من صانع الحملة ، الذي قد يكون لا يهدف سوى إلى تقديم شكل جمالي – من وجهة نظره بالتأكيد – على الشاشة مع تكرار اسم المعلن عنه كثيرا وشعار الحملة ! إلا أنه ينبغي لنا التنبه من خطورة ما تحمله تلك الإعلانات من قيم مسمومة تتغلغل في المجتمع المصري يوما بعد يوم .