آخر ما أريده الآن أن أكتب




حالة غريبة تمر بي هذه الأيام مع عوارض وإشارات الحالة النفسية السيئة التي أتمنى أن أخرج منها سريعا .. فأنا ببساطة أصبحت لا أطيق الكتابة .. لا أستطيع أن أقوم بها للتسلية أو الترويح بل وأتجرعها بصعوبة حينما يتعلق الأمر بالموضوعات الصحفية المطالب إتمامها .. ولعلكم لاحظتم إهمالي للمدونة منذ بعض الوقت نظرا للانشغال في البداية ثم عدم الرغبة أو القدرة بعد ذلك .. وعلى الرغم من أنني اعتدت أن أحلل أسباب الحالات النفسية السيئة التي تعتريني إلا إنني هذه المرة لا أريد أن أفعل ذلك .. أو لا أستطيعه .. فقط انتبهت لمدى خطورة الوضع عندما اكتشفت أنني أكاد أجن رغبة في كتابة قصيدة ما .. أى قصيدة .. ولتكن هراءً محضا حتى .. وفي حين أنا من أعزف ما يكون عن الكتابة النثرية ولا أمارسها إلا للضرورة القصوى وإن كانت طغت على الشعر مؤخرا رغما عني .. أجد أن أكثر ما أريده في هذه اللحظة أعجز عنه .. فإن وجدت الحماس في بداية القصيدة يبدأ السأم منذ السطر الثالث .. وإن وجدت الفكرة اللامعة لا أجد المثابرة اللازمة للصياغة إلى أن تختفي الفكرة .. ولأنني أؤمن دائما وأبدا أن أسرع وأسهل وسيلة للكتابة هي القراءة شرعت في قراءة بعض الروايات والقصص القصيرة لسحر الموجي وخيري شلبي وغيرهما .. ولكن استوقفني في هذه الأثناء كتاب وحيد قررت أن أكتب عنه .. كتاب استغرقني تماما إلى أن انتهى نهاية أكثر من رائعة .. أحب النهايات الكئيبة دائما .. أعتبرها واقعية جدا .. الكتاب هو رواية (رجال في الشمس) ل غسان الكنفاني

تبدأ الرواية بثلاثة فصول في غاية الأهمية تمت عنونتهم بأسماء الأبطال الثلاثة الرئيسيين في الرواية والذين مازالت أسماؤهم محفورة في ذهني – وهذا عجيب بحق - حتى الآن .. الأول هو أبو القيس كهل فلسطيني يعيش في العراق ولا يجد عملا .. وأيضا لا يجد في نفسه القدرة أو الرغبة للذهاب إلى العمل في الكويت كما فعل رفاقه جميعا .. ولكنه أخيرا يوافق إلى الذهاب إلى الكويت تحت ضغط الأهل والأقارب عليه .. والثاني هو أسعد .. شاب عرك الحياة وعركته يريد أن يتخلص من سطوة عمه في العراق الذي يريد أن يزوجه إبنته .. ويبحث أيضا عن طريقة للسفر إلى الكويت للعمل وجنى الأموال .. أما الثالث فهو فتى عراقي صغير يدعى مروان .. قرر التنازل عن أحلامه في التعليم والسفر إلى الكويت للانخراط في دوامة العمل والحياة بعد أن توقف أخوه زكريا عن بعث المال إلى أسرتهم إثر زواجه .. وتخلى أبوه عنهم إثر توقف المال المبعوث من زكريا

تبدأ الرواية بمحاولات هؤلاء الثلاثة الفاشلة في المرور على مكاتب الهجرة غير الشرعية والتهريب إلى داخل الكويت .. إلى أن يلتقوا بأبي الخيزران البطل الرابع والأخير في الرواية .. وأبو الخيزران هو فدائي فلسطيني اضطر إلى بتر عضوه التناسلي والتخلي عن رجولته إثر قنبلة ألقيت عليه .. وقرر بعدها أنه لا شئ يهمه في هذه الحياة قدر جمع الأموال فقط .. مادام قد فقد قدرته على اشتهاء النساء فلتذهب جميع الفضائل إلى الجحيم .. كان أكثر ما يؤلمه عند تذكر لحظة البتر بخلاف رغبته في الموت عن أن يعيش هكذا .. أكثر ما يؤلمه هو أنه كانت هناك امرأة تشاهدهم وهم يسلبونه رجولته .. ويخصونه أمامها

يعرض عليهم أبو الخيزران أن ينقلهم إلى داخل الكويت بفلوس أقل .. وألا يدفعوا له شيئا إلا بعد وصولهم إلى داخل الكويت .. ثم يبدأ في شرح خطته لتهريبهم والتي تتلخص في حشرهم في خزان مياه على عربية نقل كبيرة يقوم بقيادتها هو ومعروفة عند نقاط التفتيش الحدودية لمدة ست دقائق مرتين في الرحلة .. أما غير ذلك فسوف يقضونه راكبين إما بجانبه أو على ظهر الخزان .. وأصر أبو الخيزران على أن تكون الرحلة صباحية نظرا لانخفاض عدد الحراس على الحدود وعدم قدرتهم على الخروج إلى الصحراء في نوبات تفتيش نظرا لسخونة الشمس الحارقة في الصحراء .. ولكنه حذرهم دون أن يخيفهم من أنه طوال الرحلة ستكون الشمس ضاربة في خزان المياه مما سيجعل دخوله والاختباء فيه لمدة 6 دقائق كالاختباء في سقر .. وأكدّ لهم ألف مرة بعدها أن مدة مكوثهم داخل الخزان لن تزيد عن 6 دقائق أبدا

الأبطال في القصة مختلفون أشد الاختلاف عن بعضهم البعض .. ولكنهم جميعا يتشابهون في نقطة واحدة .. جميعهم يرون مسافة ال 150 كيلو متر بداخل الصحراء الفاصلة بين العراق والكويت .. تماما كالصراط المستقيم الفاصل بين الجحيم والجنة .. عند نقطة الحدود الأولى تنجح الحيلة ويخرجهم من خزان المياه بعد عبورها منهكين تماما .. لا يكاد المرء منهم يستجمع أنفاسه ويسترد عقله من سطوة الظلام والاختناق من الحر حتى ينظر له بعيون من نار بينما يقسم أبو الخيزران بأغلظ الأيمان أنهم لم يمكثوا بالداخل ثانية واحدة غير الست دقائق المتفق عليها .. بينما يصرخون أن كل دقيقة مرت عليهم بالداخل كدهر بعد أن يؤكد الشيخ كلام أبي الخيزران

وقبل نقطة الحدود الثانية يتكرر الأمر نفسه .. ولكنه يعطيهم مطارق هذه المرة لطمأنتهم أن بإمكانهم الدق على الخزان من الداخل إن شعروا بالاختناق فيسرع بهم .. وإن كان يحذرهم من الدق طالما الشاحنة متوقفة .. وبعد أن يقف في النقطة الحدودية ويسرع لتخليص الأوراق اللازمة كأسرع ما يكون .. يقف أمامه رجال الحدود في مكاتبهم بمنتهى البرود .. ويتكلمون بالإشارات والتلميح عن تأخره هذه المرة في العراق .. وأن صاحب عمله وشى به ولم يفلت من أيديهم هذه المرة ... يتوتر أبو الخيزران .. هو يعرف جيدا استحالة أن يشي به صاحب عمله .. فلا أحد يخبر البوليس أنه تاجر مخدرات .. ولكنه يتوتر في استشفاف ما الحيلة التي مارسها صاحب عمله هذه المرة .. والأهم .. متى سينتهي هذا الهراء لينطلق بالمسجونين في قاع سقر .. يستحلف الرجال أن يسرعوا بتخليص الأوراق ولكنهم يتجاهلونه تماما .. ويخبرونه أن تم فضحه وانكشفت خدعته .. وأن صاحب العمل أخبرهم بالعلاقة المشبوهة القائمة بينه وبين إحدى الراقصات في العراق .. والتي تجعله ينسى صاحب عمله وصاحب الفضل عليه ويقضي الليالي الطوال في أحضانها .. ثم يبدأون في التندر بمظهره الطيب الذي طالما خدعهم .. ولا يمضون أوراقه إلا بعد أن يستنزفوه بعضا من حكاياها وقسما بشرفه أن سوف يحملهم إليها ذات مرة بينما هو يكاد يبكي أمامهم !!

وكأنهم يبترون عضوه التناسلي من جديد .. لعنة الله عليكم جميعا .. ألم تجدوا مبررا تنكأون به الجراح أقصى من المرأة .. لكنه يتناسى جراحه وألمه المضني على مضض وهو يخرج قافزا إلى الشاحنة وينطلق بها .. وعند أول هضبة تحجبه عن أعين رجال الحدود يقفز لفتح خزان المياه .. ولكن النهاية معروفة بالتأكيد .. وعندما وضعهم في المساء بجانب مقلب القمامة لكى تكتشفهم العربات صباحا ويتم دفنهم بعد أن أفرغهم من الأموال والممتلكات .. كان هناك سؤال وحيد ضخم للغاية يتردد في عقله إلى أن يكاد يحتل مكان الموجودات حواليه .. لماذا لم يطرقوا جدران الخزان بالمطارق ؟؟؟

أعجبتني الرواية وأوجعتني إلى حد بعيد .. بل إنني قلما ما أتذكر تفاصيل شئ قرأته أو شاهدته ما لم يكن شعرا .. ولكنني أجد أحداثها محفورة في ذهني .. الآن على الأقل .. أما ما جعلني أكتب عن الرواية بجانب إعجابي به فهو خبر سمعته في نشرة الأخبار على قناة أبو ظبي قبيل أمسية أمير الشعراء الإسبوعية قبل الماضية .. الخبر كان فحواه أن دولة الكويت تنظم مهرجانا لاختيار أجمل ماعز في الدولة .. ويمنح صاحب أجمل ماعز وفقا للتقرير المذاع عن فعاليات المهرجان 20 ألف دينار كويتي .. 20 ألف دينار كويتي يا سادة لأجمل معزة

الرقم 20 ألف يبدو مرتبطا لدينا نحن الشعراء بأعلى جائزة شعرية في العالم العربي والتي تقدمها مؤسسة البابطين الكويتية لأفضل مجموعة شعرية متقدمة .. وذلك طبعا قبل أن تظهر برامج شاعر المليون وأمير الشعراء والتي وسعت الأفق المادي على الأقل لمفهوم الجائزة الشعرية بدعم من دولة الإمارات .. ولكن حتى جائزة البابطين الكبرى هي 20 ألف دولار .. وبحسبة بسيطة نجد أن 20 ألف دينارا كويتيا تساوي حوالي نصف مليون جنيه مصري .. مما يدلنا في النهاية على أن الماعز الكويتي أهم وأكثر قيمة من الشعراء العرب حتى وإن تشابهوا ظاهريا في الرقم .. لكن العملة تحكم

تعليقات

‏قال مادو
أهو ده بقى فضل الماعز عما سواها
يا عم كويس إنهم ما فضلوهم على الشعراء
اه على فكرة انا برضو معجب جدا بالرواية
‏قال نهى جمـال
عشرين ألف دينار كويتي يا سادة لأجمل معزة

------

طب ينفع قربيلي واحدة وألحقهم

أنا مستمتعة بسردك عن القصة يامحمد تقوم في النهاية تخبطني بديه

ماعلينا

بس ده العادي يعني دلوقتي
أنت في العالم العربي للاسف

يلا
شجعتني أقرأ القصة
واتمنى عودتك للكتابة تاني قريب إن شاء الله

تحياتي لكَ
‏قال غير معرف…
يعني مش كفايا ربنا رزقو بمعزه جميله يدولو عشرين الف دينار كمان !!!!

حظوظ وارزاق بأه تقول ايه

ـــــــــــ

قطره من بحر مرير قصة غسان دي

سلام يامحمد

رمله
‏قال محمد قرنه
مادو بيه

أفتقدك كثيرا يا صديق


أين نختفي جميعا ؟؟


كن بشعر
‏قال محمد قرنه
نهى


شكرا لك على المرور الرقيق والجميل كقلبك


ودعواتك معانا


كوني بخير
‏قال محمد قرنه
أول واحدة

وآخر رد كنت أتوقعه من أى حد


إن حد يقوللي مش كفاية ربنا رزقه بمعزة جميلة !!

ههههههههههههههههههههههههههههههه

دائما متفردة أنت يا رملة

دومي هكذا

وبخير
‏قال وليد الريدي
ياااااه
أفتقدك كثيرا يا محمد .. أنا أيضا أمر بحالة من الخمول الشعري .. أرجو ألا يكون أبديا .. وأرجو لك ألا يطول .. أتمنى أن أراك قريبا
‏قال محمد قرنه
وليد باشا

مبروك انضمامك لعالم المدونين يا صديق


لازم أشوفك قريب بإذن الله


دم بخير
‏قال ساره رشاد
مساء الخير محمد

هذه الرواية هي الوحيدة التي قرأتها لكنفاني وكان ذلك قبل سنوات وبصدق لم أشعر بشعورك تماما
ربما لأني أرتبط بالكويت بذكريات طفولتي الأولى

أشعر أني دون وطن أيها الشاعر وهذا الشعور صار يكبر بداخلي بشكل غبي جدا منذ أشهر وربما هو ما يمنعني من الكتابة أيضاً



تحية لروحك البيضاء وأتمنى أن تعود للكتابة قريبا ونلحقك

كن بخير
‏قال محمد قرنه
سارة

أشعر بالكتابة تتدفق من جديد

وأنتم اللاحقون بإذن الله


مرورك جميل دائما

و


رب هب لها وطنا

المشاركات الشائعة